الأربعاء، 22 يناير 2020

كلام جاهل وبغير علم بحق العقيدة


 بسم الله الرحمن الرحيم
كلام جاهل وبغير علم بحق العقيدة 

نشرت صحيفة الوطن يوم الأحد 26/1/1437 مقالا بعنوان ( العدل والمساواة حتى مع غير المسلمين )
فيه من الكلام الفاسد في عقيدتنا وتضليل الأمة الشئ العظيم .
وهو الآتي :
·    يقول : إن الكفار في الغرب يسمحون بحرية العبادة للمسلمين وبالمقابل بعض دول المسلمين لا تسمح لهم – أي للكفار بإظهار عبادتهم -  في بلادها ، وهذا خلاف المعاملة المطلوبة بالمثل !!!
·    يقول : إن الفقهاء التقليديين لازالوا يذكرون الجزية وأهل الذمة والجهاد ، مع أن الجزية شئ تاريخي مضى ، ولم يعد سائغا في ظل القانون الدولي ، وأن الجهاد لم يعد سائغا في ظل وجود وسائل التواصل الاجتماعي وإمكانية الدعوة في أمريكا !!
·    وهذا كما يتضح تلبيس، ففرق بين أن لا يطبق شئ من التشريعات وبين أن تعتبر شيئا من الماضي أي غير صالحة ، والكلام عن إسقاط الجهاد في ظل وسائل التواصل الاجتماعي كلام على الله وفي دين الله بغير علم وتضليل للأمة .
·    ووجود تطبيقات غير سوية للجهاد من بعض الفئات لا يعني أن نحرف ديننا لنبرأ من الخطأ إلى الضلال .
·    يقول : إن وثيقة المدينة سمت المسلمين واليهود أمة واحدة
·    وفي هذا ملحظان مهمان وهو هل هذه الوثيقة ثابتة ، والثاني : إذا قيل أن اليهود من أمة محمد فهم أمة الدعوة وفرق بينهم وبين المسلمين أمة الإجابة كما بين السماء والأرض ، بخلاف ما يلبّس به الكاتب ويضلل ويوحي أنهم أخوة وأحبة .
·    يقول : إن الرسول صلى الله عليه وسلم في أحد بنود صلح الحديبية وهو أنه من جاء إليه من قريش مسلما فإنه يرده إليهم ، يقول الكاتب إن هذا هو مظاهرة للكفار على المسلمين ، وأنه بهذا الدليل يظهر أن من قال إن مظاهرة الكفار على المسلمين كفر فإنه غير صحيح البتة ، أي أن مظاهرة الكفار على المسلمين ليس هناك أي دليل شرعي  على منعها أو حرمتها .
·    أقول : أولاً فقد كذب الكاتب على الرسول صلى الله عليه وسلم ، ثم نقض أصلا معلوما نص عليه أئمة الدين .
·    قال الكاتب : إنه لو قال أحد اليوم للقبائل العربية : لكم أن تختاروا الإسلام أو تختاروا الكفر ، فإنه لا ينكر عليه لأن الرسول صلى الله عليه وسلم فعل ذلك في صلح الحديبية
·       أقول : كلام فاسد ، فرق بين زمن كان الكفر هو السائد في الجزيرة و من بنود الصلح أن من دخل في حلف قريش له ذلك ، وبين ما يوحي ويلبّس به الكاتب من أن هذا يسوغ أن نقول للناس اليوم إن شئتم أن تكفروا فاكفروا !!
 مصيبة أن ينشر هذا على رؤوس الأشهاد وتنقض به أمور من العقيدة وبذا يضلل فئام من الأمة . فالله المستعان .  

نص المقال :
المسلمون اليوم في العالم الغربي هم أكبر جالية بعد المسيحيين، وأعدادهم في تصاعد مستمر بسبب الحروب والصراعات في بلدانهم الأصلية للأسف، ولنا أن نتساءل عن حياة أولئك في تلك الدول المتناثرة! وعن حرياتهم وحقوقهم؟ ماذا لو طبق الغرب عليهم بعض القوانين التي تميزهم عن غيرهم وتحرمهم من ممارسة عباداتهم وحرياتهم وتمنع عنهم حق المواطنة وتفرض عليهم جزية مثلا؟
أنا هنا لا أدافع عن الغرب ومظالمه التي حدثت وتحدث كثيرا في بلاد المسلمين، وإنما أتحدث عن المبدأ في التعامل مع الآخر تحت مظلة المعاملة بالمثل، وسأحاول طرح تساؤلات كثيرة تعيد التفكير في عدد من النقاط التي يثيرها بعض المتشددين ويرتكزون عليها في كثير من أفكارهم المتطرفة.
كنت قد كتبت مقالا بعنوان "المساواة أصل من أصول الإسلام"، وكان يتحدث عن المساواة بين المسلمين أنفسهم باختلاف مذاهبهم وأعراقهم وألوانهم، ولم أتطرق للمساواة مع غير المسلمين لضيق الوقت، ورأيت أن يكون هذا المقال ليغطي هذا الجانب.
في الزمن المعاصر نشأ ما يُسمى بالقانون الدولي، وهو يحتوي على كثير من المعاهدات والمواثيق الدولية التي اتفقت عليها سائر الأمم، وهو يرتكز على وضع آليات سلمية حديثة لتسهيل التعاملات والتعاون الدولي بين الأمم والشعوب، بالإضافة إلى وسائل لحل النزاعات بطريقة حديثة وعادلة في المجمل.
من أهم القواعد في القانون الدولي هي قاعدة المعاملة بالمثل، وهي تأتي في عدد من المجالات، مثل الاختصاص القانوني وتنفيذ الأحكام القضائية وكذلك في القوانين السيادية ونحوها، وعلى هذا الأساس؛ تشكلت الأمم المتحدة والمعاهدات الدولية؛ إلا أن بعض الدول قد لا تتبنى قاعدة المعاملة بالمثل في بعض الجوانب الإنسانية مثلا، حيث قد تتعارض مع الدستور للبلد، مثل حق اللجوء وحرية العبادة والمساواة إلخ.
وإذا نظرنا إلى الإسلام فإننا سنجد أيضا كثيرا مما يؤسس لمبدأ المعاملة بالمثل، ولكن بعض الفقهاء التقليديين ما زالوا يكررون مثلا مبدأ الجزية على أهل الذمة، وهي عمل تاريخي كان يمارس من أغلب الأمم آنذاك وكان متعارفا عليه، ولكن اليوم هناك معاهدة دولية بأنه لا تمييز بين المواطنين، فالمسلمون الذين يعيشون في الغرب مثلا لا تفرض عليهم الجزية أو التمييز لأجل دينهم، ولا أعتقد إطلاقا أن من العدل والإنصاف أن نعاملهم بأسوأ مما يعاملوننا به في هذه النقطة، وجميع هذه التشريعات "الجزية وعقد الذمة" مبنية على السياسة الشرعية والمصالح المرسلة التي تُخضِع كثيرا من الأحكام إلى المصلحة، كما أن العدل يقتضي ذلك في ظل هذه الظروف الحالية.
وحتى على قول من يقول بجهاد الطلب؛ فإن أصل تشريعهم له هو أنه بسبب منعهم من الدعوة إلى الله، بينما اليوم فبإمكان من يريد الدعوة للإسلام أن يقف أمام البيت الأبيض ويدعو إلى ما يشاء، كما أن وسائل التواصل الاجتماعي تصل إلى كل طرف في هذا العالم.
الحركات الجهادية خصوصا وبعض الحركات الدينية جعلت من الجزية والتمييز ضد غير المسلمين عموما وكأنه أحد أصول الإسلام، بينما لم تُشرَع الجزية أصلا إلا في أواخر الإسلام "حسب شروط محددة"، وبعض الحركات التي تسكت عن مثل هذه المواضيع هي في الحقيقة إما أنها بسبب عدم التجربة السياسية لا تبحث الموضوع، والأغلب أنها تقر هذا المبدأ ولا مانع لديها من أن تفعل ما تفعله داعش اليوم في غير المسلمين من إلباسهم لباسا مميزا لهم وفرض الجزية وما إلى ذلك.
لننظر إلى وثيقة المدينة التي كانت بين النبي عليه الصلاة والسلام وجميع سكان المدينة بمن فيهم اليهود، والتي ساوت في الحقوق بين الجميع، وسمت المسلمين واليهود أمة واحدة! بينما لو بحثنا مع بعض المتشددين اليوم هذه الكلمة لربما وصل الأمر للتكفير!
ومن الشواهد على احترام المواثيق؛ فإن النصرة لمن يتعرضون للظلم في دينهم من أهم الفروض الكفائية "على ولاة الأمر"، إلا أن هذا الواجب يسقط في حال وجود ميثاق أو معاهدة مع نفس ذلك المعتدي في الدين! وأقول في الدين بمعنى أن الحرب دينية ولأجل الدين، ومع ذلك يحترم القرآن المواثيق والمعاهدات، ولهذا يقول تعالى: "وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّاعَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ"، يقول القرطبي في تفسيره: "إلا أن يستنصروكم على قوم كفار بينكم وبينهم ميثاق، فلا تنصروهم عليهم، ولا تنقضوا العهد حتى تتم مدته".
ثم لو تأمّلنا بنود صلح الحديبية الذي يودّ البعض محوه من الكتب سعيا لتثبيت التشدد وليس طاعة لله ورسوله عليه الصلاة والسلام، فهذه الوثيقة احتوت على كثير من البنود التي ربما يكفر عليها البعض اليوم! فأحد أهم أصول التكفير اليوم هو أصل مظاهرة الكافرين على المسلمين، الذي به لم يسلم أحد إلا وكفروه بسببه، بالرغم من أن هذا الأصل غير صحيح نهائيا، والأدلة الشرعية على خلافه تماما، ومنها فعل الرسول عليه الصلاة والسلام عندما وقّع على أن مَن يُسْلم من قريش ويأتي إلى المدينة فإنه يلتزم بإعادته لقريش! بل وإذا ارتد أحد المسلمين وعاد لقريش؛ فإنه لا يجب على قريش إعادته للمدينة! ولو فعله أحدهم اليوم لكفروه! انظر ليس فقط سينكرون عليه وإنما سيصل الأمر إلى التكفير بناء على هذا الأصل الذي يزعمون أنه ناقض من نواقض الإيمان! ولو أقر أحدهم بند تخيير قبائل العرب ليختاروا بين الإسلام ودين قريش الذي وقع عليه النبي لقالوا هذا إقرار بالطاغوت ولن يترددوا في تكفير صاحبه، وأشد من هذا وذاك عندما مسح النبي عليه الصلاة والسلام عبارة "رسول الله"، ولقالوا هذا انهزامية وإقرار بالكفر!
الشاهد من هذا الكلام هو أن السياسة الشرعية مبنية على المصلحة التي يقدرها ولي الأمر، كما أن الحفاظ على المقاصد العامة للشريعة بالعدل والمساواة وحفظ الحقوق مقدم على الوسائل التي ليست مقاصد في حد ذاتها، خاصة وأن مثل المعاهدات الدولية عندما تكون إيجابية ولا تميز ضد المسلمين فإن العقل والأولى اتباعها لا مناهضتها التي نكون فيها أشد الخاسرين! 




التسميات: ,

السبت، 26 ديسمبر 2015

نشر العقيدة الفاسدة بعدم الإنكار على من فعل مكفراً

بسم الله الرحمن الرحيم
نشرت صحيفة الوطن بتاريخ 16 ربيع الأول 1437 مقال بعنوان ( قراءة محتسبين للقرآن والسنة ) بقلم المدعو إسامة القحطاني
وكالعادة فقد نشر فيه من الضلال للأمة كما :
  1.زعم أنه لا يصح أن يُرمى أحد بالكفر بعد أن أسلم ولو فعل ما فعل !!!
ولا شك أن هذا عقيدة فاسدة لم يقل بها ولا  المرجئة .
2.وزعم الكاتب أنه لا يُشرع  حتى ولا مناصحة من يفعل أو يقول الكفر !!! أي تركه وشأنه !!
3.وزعم الكاتب أن لا حق لأحد أن يحاكم من يتلفظ أو يفعل الكفر !!
4.وزعم الكاتب أن التكفير غير مشروع - أي حتى لو حصلت أسبابه -
وهناك ضلالات أخرى في المقال نفسه ، لعل في ذكر أجلاها وأوضحها ما يكفي .


 نص المقال :
قراءة محتسبين للقرآن والسنة
عند مراقبة الساحة هذه الأيام وتصرفات بعض المتشددين المحسوبين على الإسلاميين تجاه كتابات من يرونهم خصوما؛ نجد أنها تنبني على طريقة متشابهة لتفسير وقراءة الكلام إذا كان لخصومهم، وسأعرض في هذا المقال تطبيقا لطريقة الإنكار والتفسير التي يتبعونها، ولكن هذه المرة سأطبقها على كلام الله تعالى وكلام المصطفى عليه الصلاة والسلام، وسأترك التحليل والتعليق آخر المقال.
ماذا لو أن حاكما مسلما وقع على معاهدة صلح مع دولة محاربة للدين (للدين ذاته)، وكانت هذه المعاهدة تنص على تسليم المسلمين الجدد من تلك الدولة إليها ليقوموا بتعذيبهم، وتعهد بعدم نصرتهم ومعاونتهم، ماذا ستكون ردة فعل موزعي التكفير والزندقة على الناس اليوم؟ ماذا لو عرفنا أن النبي عليه الصلاة والسلام قد وقّع على ذلك في صلح الحديبية! ولو عمل هذا أحد اليوم لكان كافرا بموجب ما يُسمّى بنواقض الإيمان العشر وأنها من مظاهرة المشركين على المسلمين!
ماذا لو قام شخص وشتم وألَّب الناس على المصطفى -بأبي هو وأمي عليه الصلاة والسلام- ثم جاء حاكم مسلم وقال نتركه لئلا يقول الناس إن الإسلام يقتل أصحابه؟ من المؤكد أننا سنسمع حتما تلك الدعوات التي تقول هذا رضا بما يفعل ولن يترددوا في التكفير، وأقل أحوال ردود الغلاة أنه تمييع للدين! بينما نعلم أن هذا ما فعله المصطفى عليه الصلاة والسلام مع عبدالله بن أبيّ عندما قال: (ليُخرجن الأعز منها الأذل)! فلم يُحاسبه النبي عليه الصلاة والسلام ولا غيره من المنافقين، بل تركهم وشأنهم واستمر في دعوة الحق بالحكمة والموعظة الحسنة، وترك الفكر يرد على الفكر.
أمر أشد شأنا؛ وهو أن النبي عليه الصلاة والسلام لم يُطلق على معين بالتكفير أو النفاق بعد الإسلام مطلقا! ولم يفعله أصحابه أيضا، بل لم يبعث أحدا لهؤلاء لمناصحتهم أو أي شيء من هذا القبيل، ولم يُراقبهم ويمارس عليهم التضييق! ولو كان هذا الأمر في يومنا لسمعنا نفس الكلام أعلاه من اتهامات بالزندقة والكفر ليس على القائل وحسب، وإنما حتى على من سَكت عنه! ولكن لماذا فعل هذا النبي عليه الصلاة والسلام؟
لأنه يعلم أن الله تعالى وحده الموكول بالسرائر ومحاسبة الناس على سرائرهم ومصائرهم وهل خرجوا من الإيمان أم لا، فتركها عليه الصلاة والسلام لئلا يكون قدوة في تتبع عورات الناس وامتحان ضمائرهم ومعاني كلامهم باسم الدين، فالله تعالى وحده من يحاسب.
مثال آخر؛ ماذا لو قال رجل عن انتصار لدولة غير مسلمة في حرب إنه نصر الله؟ سيأتي البعض ويقول كيف تسمي انتصار الكفار بنصر الله! وربما فسروا ذلك بموالاة الكافرين ونحو ذلك، بينما نجد القرآن يسمي انتصار الروم على الفرس بذلك في سورة الروم! وبعض المفسرين قالوا لأن الروم أهل كتاب آنذاك وهو أخف من المجوس، ولكن لو كان هذا العامل الحقيقي لما بعث النبي عليه الصلاة والسلام أصحابه إلى الوثنيين في الحبشة! ولبدأ بقتال الوثنيين في أفريقيا وغيرها، ولكنه فقط العداء الذي أظهره الفرس للإسلام.
أذكر عندما كتب بعض المثقفين السعوديين خطابا للمثقفين الأميركيين بعد أحداث سبتمبر المشؤومة؛ جاءت ردة فعل عنيفة من المتشددين آنذاك؛ أن الخطاب فيه تمييع للدين وتنازل للكفار حينها! بينما نجد أن القرآن يقول: (وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين)، ولم يتحرج في كلمة (أو في ضلال مبين) لضرورة التنزّل للخصم لأجل النقاش والرغبة في إقناعه وإنقاذه من الضلال، وبغض النظر عن تصنيف الخطاب وأبعاده إلا أن طريقة عسف أفكار الآخرين وتطويع النصوص الدينية على الآخرين حسب رؤية الشخص وهواه من الاعتداء على حق الله تجاه عباده، وفيه تقديس للذات بلا شك، وهو ما نعانيه اليوم من تسلط على الناس.
طاف النبي عليه الصلاة والسلام بالكعبة وهي مليئة بالأصنام ولم يلمس أحدها قبل الفتح، ولو فعلها أحدهم اليوم لقالوا إنك ترضى بالكفر! بينما نشاهد كيف احترم النبي عليه الصلاة والسلام عهده حتى مع المشركين آنذاك.
ما الذي نستفيده من هذه الشواهد (وأترك الكثير منها لضيق المساحة)؟ الحقيقة أنها كلها تدور على أن قصد الإنسان هو الأساس الأول والأخير في تفسير آرائه، وأنه ليس لأحد كائنا من كان الحق بتفسير كلام الآخرين والزعم بأن القصد كذا أو كذا ومحاكمته عليه، خصوصا فيما يتعلق بمسائل الكفر والإيمان، كما أن حمل الكلام على أسوأ معانيه ليس من سيرة المصطفى عليه الصلاة والسلام أبدا، ولو شاهدنا بعض المتحمسين اليوم لوجدنا أن طريقتهم هي العكس بتفسير كلام الآخرين على أسوأ معانيه، ولو فُتح لهم المجال لكانت المحاكم مليئة بقضايا الاحتساب ضد كل من كتب مقالا يخالفهم!
الحقيقة أن أجمل ما جاء به الإسلام هو أنه لا قداسة ولا عصمة لأحد من الناس، حتى لكبار الصحابة، فالكل معرض للخطأ، ويؤخذ من كلامه ويرد، بل نلاحظ أن القرآن عاتب النبي عليه الصلاة والسلام في عدة مواضع، من أهمها سورة عبس التي نزلت عتابا للنبي عليه الصلاة والسلام، ما يؤكد مبدأ أن الحق لا يعرف المجاملة ولا التقديس، ونرى اليوم من يزعم القداسة ولو بطريقة غير مباشرة لآرائه، تارة باسم أن هذا قول السلف، ولا أدري كيف استقصى ذلك وأئمة السلف لا يعرفونه! وتارة باسم طاعة العلماء واحترامهم، وهو يعني العلماء الذين يؤيدون مذهبه، وهكذا.
الخلاصة؛ أرجو ألا يُفسر هذا المقال على أنه ميل لطرف ضد طرف، وإنما هو طرح لما أراه الحق والعدل، فإن دعوى القداسة والعصمة للآراء، ومحاسبة الناس وحمل معاني كلامهم على أسوأ الاحتمالات، وامتحان الناس في إيمانهم، وتشريع مبدأ التكفير وكأنه عبادة مشروعة؛ أسوأ ما نعاني منه اليوم.

رابط المقال :



التسميات: ,

الأحد، 8 نوفمبر 2015

الكذب على الرسول ، وإنكار حكم شرعي ، والمطالبة بالسماح بعبادة الكفار في بلاد المسلمين

بسم الله الرحمن الرحيم
نشكو إلى الله نشر ما يخالف ويناقض عقيدتنا من قعر ديارنا و على أعلى منابرنا الصحفية .
نشرت صحيفة الوطن يوم الأحد 26/1/1437 مقالا بعنوان ( العدل والمساواة حتى مع غير المسلمين )
فيه من الكلام الفاسد في عقيدتنا وتضليل الأمة الشئ العظيم .
وهو الآتي :
·       يقول : إن الكفار في الغرب يسمحون بحرية العبادة للمسلمين وبالمقابل بعض دول المسلمين لا تسمح لهم – أي للكفار بإظهار عبادتهم - في بلادها ، وهذا خلاف المعاملة المطلوبة بالمثل !!!
·       يقول : إن الفقهاء التقليديين لازالوا يذكرون الجزية وأهل الذمة والجهاد ، مع أن الجزية شئ تاريخي مضى ، ولم يعد سائغا في ظل القانون الدولي ، وأن الجهاد لم يعد سائغا في ظل وجود وسائل التواصل الاجتماعي وإمكانية الدعوة في أمريكا !!
·       وهذا كما يتضح تلبيس، ففرق بين أن لا يطبق شئ من التشريعات وبين أن تعتبر شيئا من الماضي أي غير صالحة ، والكلام عن إسقاط الجهاد في ظل وسائل التواصل الاجتماعي كلام على الله وفي دين الله بغير علم وتضليل للأمة .
·       ووجود تطبيقات غير سوية للجهاد من بعض الفئات لا يعني أن نحرّف ديننا لنبرأ من الخطأ إلى الضلال .
·       يقول : إن وثيقة المدينة سمت المسلمين واليهود أمة واحدة .
·       وفي هذا ملحظان مهمان وهو هل هذه الوثيقة ثابتة ، والثاني : إذا قيل أن اليهود من أمة محمد فهم أمة الدعوة وفرق بينهم وبين المسلمين أمة الإجابة كما بين السماء والأرض ، بخلاف ما يلبّس به الكاتب ويضلل ويوحي أنهم أخوة وأحبة .
·       يقول : إن الرسول صلى الله عليه وسلم في أحد بنود صلح الحديبية وهو أنه من جاء إليه من قريش مسلما فإنه يرده إليهم ، يقول الكاتب إن هذا هو مظاهرة للكفار على المسلمين ، وأنه بهذا الدليل يظهر أن من قال إن مظاهرة الكفار على المسلمين كفر فإنه غير صحيح البتة ، أي أن مظاهرة الكفار على المسلمين ليس هناك أي دليل شرعي  على منعها أو حرمتها .
·       أقول : أولاً فقد كذب الكاتب على الرسول صلى الله عليه وسلم ، ثم نقض أصلا معلوما نص عليه أئمة الدين بموجب الأدلة .
·       قال الكاتب : إنه لو قال أحد اليوم للقبائل العربية : لكم أن تختاروا الإسلام أو تختاروا الكفر ، فإنه لا ينكر عليه لأن الرسول صلى الله عليه وسلم فعل ذلك في صلح الحديبية
·       أقول : كلام فاسد ، فرق بين زمن كان الكفر هو السائد في الجزيرة و من بنود الصلح أن من دخل في حلف قريش له ذلك ، وبين ما يوحي ويلبّس به الكاتب من أن هذا يسوّغ أن نقول للناس اليوم : إن شئتم أن تكفروا فاكفروا !!
  .. مصيبة أن ينشر هذا على رؤوس الأشهاد وتنقض به أمور من العقيدة طالما أكد عليها الأئمة ، مصيبة أن ينشر هذا اليوم من قعر بلاد التوحيد وبتكرار ، وأيضا لا يمكن نشر تصحيح له ولا محاسبة لناشره ، وبذا يضلل فئام من الأمة . فالله المستعان .  وهدى الله القائمين على الإعلام للوجهة الحقة الصحيحة .

نص المقال :
المسلمون اليوم في العالم الغربي هم أكبر جالية بعد المسيحيين، وأعدادهم في تصاعد مستمر بسبب الحروب والصراعات في بلدانهم الأصلية للأسف، ولنا أن نتساءل عن حياة أولئك في تلك الدول المتناثرة! وعن حرياتهم وحقوقهم؟ ماذا لو طبق الغرب عليهم بعض القوانين التي تميزهم عن غيرهم وتحرمهم من ممارسة عباداتهم وحرياتهم وتمنع عنهم حق المواطنة وتفرض عليهم جزية مثلا؟
أنا هنا لا أدافع عن الغرب ومظالمه التي حدثت وتحدث كثيرا في بلاد المسلمين، وإنما أتحدث عن المبدأ في التعامل مع الآخر تحت مظلة المعاملة بالمثل، وسأحاول طرح تساؤلات كثيرة تعيد التفكير في عدد من النقاط التي يثيرها بعض المتشددين ويرتكزون عليها في كثير من أفكارهم المتطرفة.
كنت قد كتبت مقالا بعنوان "المساواة أصل من أصول الإسلام"، وكان يتحدث عن المساواة بين المسلمين أنفسهم باختلاف مذاهبهم وأعراقهم وألوانهم، ولم أتطرق للمساواة مع غير المسلمين لضيق الوقت، ورأيت أن يكون هذا المقال ليغطي هذا الجانب.
في الزمن المعاصر نشأ ما يُسمى بالقانون الدولي، وهو يحتوي على كثير من المعاهدات والمواثيق الدولية التي اتفقت عليها سائر الأمم، وهو يرتكز على وضع آليات سلمية حديثة لتسهيل التعاملات والتعاون الدولي بين الأمم والشعوب، بالإضافة إلى وسائل لحل النزاعات بطريقة حديثة وعادلة في المجمل.
من أهم القواعد في القانون الدولي هي قاعدة المعاملة بالمثل، وهي تأتي في عدد من المجالات، مثل الاختصاص القانوني وتنفيذ الأحكام القضائية وكذلك في القوانين السيادية ونحوها، وعلى هذا الأساس؛ تشكلت الأمم المتحدة والمعاهدات الدولية؛ إلا أن بعض الدول قد لا تتبنى قاعدة المعاملة بالمثل في بعض الجوانب الإنسانية مثلا، حيث قد تتعارض مع الدستور للبلد، مثل حق اللجوء وحرية العبادة والمساواة إلخ.
وإذا نظرنا إلى الإسلام فإننا سنجد أيضا كثيرا مما يؤسس لمبدأ المعاملة بالمثل، ولكن بعض الفقهاء التقليديين ما زالوا يكررون مثلا مبدأ الجزية على أهل الذمة، وهي عمل تاريخي كان يمارس من أغلب الأمم آنذاك وكان متعارفا عليه، ولكن اليوم هناك معاهدة دولية بأنه لا تمييز بين المواطنين، فالمسلمون الذين يعيشون في الغرب مثلا لا تفرض عليهم الجزية أو التمييز لأجل دينهم، ولا أعتقد إطلاقا أن من العدل والإنصاف أن نعاملهم بأسوأ مما يعاملوننا به في هذه النقطة، وجميع هذه التشريعات "الجزية وعقد الذمة" مبنية على السياسة الشرعية والمصالح المرسلة التي تُخضِع كثيرا من الأحكام إلى المصلحة، كما أن العدل يقتضي ذلك في ظل هذه الظروف الحالية.
وحتى على قول من يقول بجهاد الطلب؛ فإن أصل تشريعهم له هو أنه بسبب منعهم من الدعوة إلى الله، بينما اليوم فبإمكان من يريد الدعوة للإسلام أن يقف أمام البيت الأبيض ويدعو إلى ما يشاء، كما أن وسائل التواصل الاجتماعي تصل إلى كل طرف في هذا العالم.
الحركات الجهادية خصوصا وبعض الحركات الدينية جعلت من الجزية والتمييز ضد غير المسلمين عموما وكأنه أحد أصول الإسلام، بينما لم تُشرَع الجزية أصلا إلا في أواخر الإسلام "حسب شروط محددة"، وبعض الحركات التي تسكت عن مثل هذه المواضيع هي في الحقيقة إما أنها بسبب عدم التجربة السياسية لا تبحث الموضوع، والأغلب أنها تقر هذا المبدأ ولا مانع لديها من أن تفعل ما تفعله داعش اليوم في غير المسلمين من إلباسهم لباسا مميزا لهم وفرض الجزية وما إلى ذلك.
لننظر إلى وثيقة المدينة التي كانت بين النبي عليه الصلاة والسلام وجميع سكان المدينة بمن فيهم اليهود، والتي ساوت في الحقوق بين الجميع، وسمت المسلمين واليهود أمة واحدة! بينما لو بحثنا مع بعض المتشددين اليوم هذه الكلمة لربما وصل الأمر للتكفير!
ومن الشواهد على احترام المواثيق؛ فإن النصرة لمن يتعرضون للظلم في دينهم من أهم الفروض الكفائية "على ولاة الأمر"، إلا أن هذا الواجب يسقط في حال وجود ميثاق أو معاهدة مع نفس ذلك المعتدي في الدين! وأقول في الدين بمعنى أن الحرب دينية ولأجل الدين، ومع ذلك يحترم القرآن المواثيق والمعاهدات، ولهذا يقول تعالى: "وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّاعَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ"، يقول القرطبي في تفسيره: "إلا أن يستنصروكم على قوم كفار بينكم وبينهم ميثاق، فلا تنصروهم عليهم، ولا تنقضوا العهد حتى تتم مدته".
ثم لو تأمّلنا بنود صلح الحديبية الذي يودّ البعض محوه من الكتب سعيا لتثبيت التشدد وليس طاعة لله ورسوله عليه الصلاة والسلام، فهذه الوثيقة احتوت على كثير من البنود التي ربما يكفر عليها البعض اليوم! فأحد أهم أصول التكفير اليوم هو أصل مظاهرة الكافرين على المسلمين، الذي به لم يسلم أحد إلا وكفروه بسببه، بالرغم من أن هذا الأصل غير صحيح نهائيا، والأدلة الشرعية على خلافه تماما، ومنها فعل الرسول عليه الصلاة والسلام عندما وقّع على أن مَن يُسْلم من قريش ويأتي إلى المدينة فإنه يلتزم بإعادته لقريش! بل وإذا ارتد أحد المسلمين وعاد لقريش؛ فإنه لا يجب على قريش إعادته للمدينة! ولو فعله أحدهم اليوم لكفروه! انظر ليس فقط سينكرون عليه وإنما سيصل الأمر إلى التكفير بناء على هذا الأصل الذي يزعمون أنه ناقض من نواقض الإيمان! ولو أقر أحدهم بند تخيير قبائل العرب ليختاروا بين الإسلام ودين قريش الذي وقع عليه النبي لقالوا هذا إقرار بالطاغوت ولن يترددوا في تكفير صاحبه، وأشد من هذا وذاك عندما مسح النبي عليه الصلاة والسلام عبارة "رسول الله"، ولقالوا هذا انهزامية وإقرار بالكفر!
الشاهد من هذا الكلام هو أن السياسة الشرعية مبنية على المصلحة التي يقدرها ولي الأمر، كما أن الحفاظ على المقاصد العامة للشريعة بالعدل والمساواة وحفظ الحقوق مقدم على الوسائل التي ليست مقاصد في حد ذاتها، خاصة وأن مثل المعاهدات الدولية عندما تكون إيجابية ولا تميز ضد المسلمين فإن العقل والأولى اتباعها لا مناهضتها التي نكون فيها أشد الخاسرين! 



                                         



التسميات: ,